فخر الدين الرازي

76

تفسير الرازي

كما ذكره في قول الله تعالى : * ( كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) * ( البقرة : 275 ) وفي هذا الباب مسائل غامضة دقيقة من العقليات ، ومن علوم المكاشفات . الاختلاف في وجود الجن : المسألة الأولى : اختلف الناس في وجود الجن والشياطين فمن الناس من أنكر الجن والشياطين ، واعلم أنه لا بدّ أولاً من البحث عن ماهية الجن والشياطين فنقول : أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم ، بل القول المحصل فيه قولان : الأول : أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة . والقول الثاني : أن كثيراً من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز ، وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية ، ثم هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية ، وهي الملائكة المقربون ، كما قال الله تعالى : * ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ) * ( الأنبياء : 19 ) ويليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام ، وأشرفها حملة العرش ، كما قال تعالى : * ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية ) * ( الحاقة : 17 ) والمرتبة الثانية : الحافون حول العرش ، كما قال تعالى : * ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) * ( الزمر : 75 ) والمرتبة الثالثة : ملائكة الكرسي ، والمرتبة الرابعة : ملائكة السماوات طبقة طبقة ، والمرتبة الخامسة : ملائكة كرة الأثير ، والمرتبة السادسة : ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم ، والمرتبة السابعة : ملائكة الزمهرير ، والمرتبة الثامنة : مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار ، والمرتبة التاسعة : مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال ، والمرتبة العاشرة : مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم . واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة ، وهي المسماة بالصالحين من الجن ، وقد تكون كدرة سفلية شرير شقية ، وهي المسماة بالشياطين . واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه : الحجة الأولى : إن الشيطان لو كان موجوداً لكان إما أن يكون جسماً كثيفاً أو لطيفاً ، والقسمان بطلان فيبطل القول بوجوده وإنما قلنا أنه يمتنع أن يكون جسماً كثيفاً لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس ، إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة ورعود وبروق مع أنا لا نشاهد شيئاً منها ، ومن جوز ذلك كان خارجاً عن العقل ، وإنما قلنا إنه لا يجوز كونها أجساماً لطيفة وذلك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تتمزق أو تتفرق عند هبوب الرياح العاصفة القوية ، وأيضاً يلزم أن لا يكون لها